بكل أسى وحزن، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله، نودع أعظم رجال الجنوب المخضرمين. نودع الرئيس عبد ربه منصور هادي، الرجل الذي حمل هموم وطنه في أقسى لحظات التاريخ. تآمر عليه الداخل والخارج، وتخلى عنه الأصدقاء قبل الأعداء، لكنه ثبت كالجبل، رافضاً التنازل عن شبر من أرضه، متمسكاً بقضيته حتى آخر نفس. رحل الجسد، وبقي رمزاً للرجل الذي لم يبع، ولم يخن، ولم يتنازل. رحمك الله أيها الصنديد.
عندما نزل هادي إلى عدن عام 2015، هارباً من صنعاء بعد انقلاب الحوثي الذي رفضوا أن يقبلوا لكونه ليس زيديا، خرج الآلاف من أبناء الجنوب لاستقباله ونصرته، متناسين جراحات التهميش. كان في مقدمة مستقبليه: عيدروس الزبيدي، فضل باعش، شلال علي شائع، علي ناصر هادي، محمود الصبيحي، سيف اليافعي، جواس، صالح قطن العولقي، وغيرهم. لم يكن الاستقبال شكلياً، بل احتضاناً حقيقياً لرجل آمنوا به. وهادي قابل هذا الاحتضان بإقراره الحقوق الجنوبية وتأسيسه القوات المسلحة الجنوبية.
مع اندلاع الحرب أواخر 2014، وجد الهادي جيشاً منهياً ومؤسسات مشلولة. نهض للقتال، معتمداً على مساندة من الإمارات والسعودية، ومدعوماً بقيادات جنوبية مخلصة. أعاد هيكلة الجيش، وشكل وحدات جديدة من المقاومة الشعبية، وتمكن من توحيد القيادة. اعتمد على المقاومة التي حررت عدن، أبين، شبوة، حضرموت، الضالع، لحج. في يوليو 2015، تحررت عدن، وتوالت الانتصارات. أعاد تشكيل السلطة المحلية، ليثبت أنه رجل دولة. تولى قيادات جنوبية إدارة المحافظات: عيدروس الزبيدي محافظاً لعدن، ناصر الخبجي للحج، أحمد سعيد بن بريك في حضرموت، فضل الجعدي في الضالع.
في سبتمبر 2016، اختار خالد بحاح نائباً له، ونقل البنك المركزي إلى عدن، فأنقذ الاقتصاد من الانهيار، ودفع الرواتب، ومنع مجاعة.
بحلول أواخر 2015، كانت القوات على بعد أمتار من تحرير صنعاء. حينها تدخل "الأحمر العجوز" وأجبر هادي على إقالة قيادات الحرب: بحاح، هاني بن بريك، الزبيدي، بن بديك، الخبجي، الجعدي البحسني. استجاب هادي للضغوط. في أسبوع،فقط تفككت القوات، وانهارت نهم، مأرب، إب، الجوف. تحول الحوثي إلى مليشيا دولية، وبدأت المسيرات والصواريخ تغزو الإقليم. بكلمة "نعم"، تحول النصر إلى مأساة.
هادي لم يخن، لكن الجميع خانه. صالح (عفاش) تآمر مع الحوثي. السعودية خشيت استقلاليته فضغطت عليه. حتى أقرب الناس إليه خانوه. وجد نفسه وحيداً.
ماذا لو لم تكن الخيانة؟ لكانت المنطقة اليوم خالية من المليشيات والإرهاب . لكن الخيانة كانت أقوى.
شغله طوال عشر سنين في إرهابهم انطلاقا من مسقط رأسه ومرورا لعدن ولحج وشبوه وكان يده اليمنى سالم قطن العولقي أو ضحاياها..ولحقه الآلاف من أبناء الجنوب.
رغم كل شيء، يبقى الهادي رمزاً، لأنه كان صادقاً، ولم يبع وطنه.
والآن، نودعك بقلوب مثخنة. رحم الله تغشاك أيها الهادي. حملت مشروعاً وقاتلت بصدق. انتصرت برفضك مشاريع السعودية. لن تبيع وطنك.
اللهم اغفر له وارحمه، وأسكنه فسيح جناتك. إنا لله وإنا إليه راجعون. وداعاً أيها اخر المخضرمين.