لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم مجرد وسيلة لإدارة العلاقات أو حضور بروتوكولي على الساحة الدولية، بل تحولت إلى أداة استراتيجية تمثل جوهر القوة الناعمة للشعوب الساعية إلى تثبيت مكانتها وصياغة مستقبلها. وفي الحالة الجنوبية، برز الحراك الدبلوماسي للمجلس الانتقالي الجنوبي كامتداد للإرادة الشعبية في الداخل، وكرافعة أساسية لإعادة تقديم الجنوب كفاعل أصيل في معادلات السياسة الإقليمية والدولية. لقد أعاد المجلس الانتقالي صياغة صورة الجنوب، ليس بوصفه نزاعاً جغرافياً، بل باعتباره شريكاً مسؤولاً في صناعة الاستقرار الإقليمي والدولي. فالجنوب، بموقعه الاستراتيجي المطل على باب المندب وخليج عدن والبحر العربي، يشكل نقطة ارتكاز حيوية في أمن الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يمنح تحركاته الدبلوماسية وزناً مضاعفاً في حسابات القوى المؤثرة. إن القيمة المضافة لهذه الدبلوماسية تكمن في قدرتها على الارتباط بالداخل، إذ لا معنى لأي اعتراف خارجي ما لم يقترن بتحسين ملموس في حياة المواطنين. فتعزيز الخدمات العامة وتخفيف المعاناة المعيشية يمثلان شرطاً ضرورياً لترسيخ وحدة الصف الجنوبي خلف قيادته، وهو ما يجعل البعد التنموي جزءاً لا يتجزأ من البعد الدبلوماسي. ولهذا جاءت تحركات القيادة السياسية الجنوبية الأخيرة بقيادة الرئيس القائد عيدرورس الزبيدي، لمعالجة الملفين الاقتصادي والخدمي، ووضع حد لانهيار العملة الوطنية بما يمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فالمواطن الذي يلمس تحسناً في حياته اليومية يصبح أكثر التفافاً حول مشروعه الوطني، وأكثر استعداداً للدفاع عنه في مواجهة التحديات. وفي هذا الإطار، يصبح التكامل بين الداخل والخارج حجر الزاوية في مشروع الدولة الجنوبية. فالدبلوماسية التي لا تستند إلى حاضنة شعبية تظل محدودة التأثير، والمطالب الشعبية التي لا تجد صدى في الخارج تبقى حبيسة الجغرافيا. أما حين يتلاقى صوت الداخل مع خطاب الخارج، فإن ذلك يخلق قوة سياسية مضاعفة قادرة على فرض نفسها في أي عملية تسوية إقليمية أو دولية. إن النهج الدبلوماسي للمجلس الانتقالي الجنوبي، القائم على الانفتاح والحوار وتوظيف القوة الناعمة، يعكس إدراكاً عميقاً بأن معركة الجنوب ليست عسكرية أو سياسية فحسب، بل هي أيضاً معركة اعتراف وتمثيل وحضور فاعل. وإذا ما استمر هذا النهج المتوازن، المرتبط بتحسين الداخل والمنفتح على الخارج، فإن الجنوب يتجه نحو التحول إلى نموذج لدولة ناشئة قادرة على الجمع بين الشرعية الشعبية والاعتراف الدولي، وعلى تحويل موقعها الاستراتيجي من ساحة صراع إلى منصة استقرار، ومن قضية تبحث عن اعتراف إلى دولة شريكة في صناعة السلام والتنمية.